صديق الحسيني القنوجي البخاري
530
فتح البيان في مقاصد القرآن
طالب أنا أنسب الناس قال إنك لا تنسب الناس ، فقال بلى ، فقال له عليّ أرأيت قوله عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا قال أنا أنسب ذلك الكثير قال أرأيت قوله وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، فسكت ، وعن عروة بن الزبير قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معدّ بن عدنان ، وعن ابن عباس قال : ما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الظاهرة والدلالات الباهرة والشرائع الواضحة مستأنف وهذا في المعنى تفسير لنبأ الذين من قبلهم فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ أي جعلوا أيدي أنفسهم فِي أَفْواهِهِمْ ليعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [ آل عمران : 119 ] لأن الرسل جاءتهم بتسفية أحلامهم وشتم أصنامهم . وقيل إن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات أي اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيبا لهم وردا لقولهم ، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى ألسنتهم وما يصدر عنها من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه ، قيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه . وقيل المعنى ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم ، فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار ، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ؛ فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل ، وقيل معناه أومأوا إلى الرسل أن اسكتوا ، وقيل أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم ، والمراد بهما على هذا هاتان الجارحتان المعلومتان . وقيل إن الأيدي هنا النعم أي ردوا نعم الرسل بأفواههم أي بالنطق والتكذيب ، والمراد بالنعم هنا ما جاءوهم به من الشرائع ، وقال أبو عبيدة ونعم ما قال هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد ردّ يده في فيه ، وهكذا قال الأخفش . واعترض على ذلك القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به ، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا ، وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال ، وبه قال ابن مسعود وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره الأخفش وأبو عبيدة ، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب . وَقالُوا أي الكفار للرسل إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ من البينات على زعمكم وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ عظيم مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ من الإيمان باللّه وحده وترك ما سواه